فخر الدين الرازي
142
تفسير الرازي
المرتبة الأولى : قوله : * ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) * يعني إن رغبتم في استيفاء القصاص فاقنعوا بالمثل ولا تزيدوا عليه ، فإن استيفاء الزيادة ظلم والظلم ممنوع منه في عدل الله ورحمته وفي قوله : * ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) * دليل على أن الأولى له أن لا يفعلن ، كما أنك إذا قلت للمريض : إن كنت تأكل الفاكهة فكل التفاح ، كان معناه أن الأولى بك أن لا تأكله ، فذكر تعالى بطريق الرمز والتعريض على أن الأولى تركه . والمرتبة الثانية : الانتقال من التعريض إلى التصريح وهو قوله : * ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) * وهذا تصريح بأن الأولى ترك ذلك الانتقام ، لأن الرحمة أفضل من القسوة والإنفاع أفضل من الإيلام . المرتبة الثالثة : وهو ورود الأمر بالجزم بالترك وهو قوله : * ( واصبر ) * لأنه في المرتبة الثانية ذكر أن الترك خير وأولى ، وفي هذه المرتبة الثالثة صرح بالأمر بالصبر ، ولما كان الصبر في هذا المقام شاقاً شديداً ذكر بعده ما يفيد سهولته فقال : * ( وما صبرك إلا بالله ) * أي بتوفيقه ومعونته وهذا هو السبب الكلي الأصلي المفيد في حصول الصبر وفي حصول جميع أنواع الطاعات . ولما ذكر هذا السبب الكلي الأصلي ذكر بعده ما هو السبب الجزئي القريب فقال : * ( ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون ) * وذلك لأن إقدام الإنسان على الانتقام ، وعلى إنزال الضرر بالغير لا يكون إلا عند هيجان الغضب ، وشدة الغضب لا تحصل إلا لأحد أمرين : أحدهما : فوات نفع كان حاصلاً في الماضي وإليه الإشارة بقوله : * ( ولا تحزن عليهم ) * قيل معناه : ولا تحزن على قتلى أحد ، ومعناه لا تحزن بسبب فوت أولئك الأصدقاء . ويرجع حاصله إلى فوت النفع . والسبب الثاني : لشدة الغضب توقع ضرر في المستقبل ، وإليه الإشارة بقوله : * ( ولا تك في ضيق مما يمكرون ) * ومن وقف على هذه اللطائف عرف أنه لا يمكن كلام أدخل في حسن والضبط من هذا الكلام بقي في لفظ الآية مباحث : البحث الأول : قرأ ابن كثير : * ( ولا تك في ضيق ) * بكسر الضاد ، وفي النمل مثله ، والباقون : بفتح الضاد في الحرفين . أما الوجه في القراءة المشهورة فأمور : قال أبو عبيدة : الضيق بالكسر في قلة المعاش والمساكن ، وما كان في القلب فإنه الضيق . وقال أبو عمرو : الضيق بالكسر الشدة والضيق بفتح الضاد الغم . وقال القتيبي : ضيق تخفيف ضيق مثل هين وهين ولين ولين . وبهذا الطريق قلنا : إنه تصح قراءة ابن كثير . البحث الثاني : قرىء * ( ولا تكن في ضيق ) * .